ابن قيم الجوزية
229
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
لمخبره . كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنى . والإخبار به . فإنه كاذب في حكم اللّه . وإن كان خبره مطابقا لمخبره . ولهذا قال تعالى : فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [ النّور : 13 ] فحكم اللّه في مثل هذا : أن يعاقب عقوبة المفتري الكاذب ، وإن كان خبره مطابقا . وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند اللّه ، كما أخبر اللّه تعالى به عنه . فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله اللّه كاذبا ، فأيّ توبة له ؟ وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم اللّه الذي حكم به عليه ؟ توبة السارق واختلف في توبة السارق إذا قطعت يده ، هل من شرطها : ضمان العين المسروقة لربها ؟ وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته : أداؤها إليه ، إذا كانت موجودة بعينها . وإنما اختلفوا إذا كانت تالفة . فقال الشافعي وأحمد : من تمام توبته : ضمانها لمالكها . ويلزمه ذلك ، موسرا كان أو معسرا . وقال أبو حنيفة : إذا قطعت يده - وقد استهلكت العين - لم يلزمه ضمانها . ولا تتوقف صحة توبته على الضمان . لأن قطع اليد هو مجموع الجزاء . والتضمين عقوبة زائدة عليه لا تشرع . قال : وهذا بخلاف ما إذا كانت العين قائمة . فإن صاحبها قد وجد عين ماله فلم يكن أخذها عقوبة ثانية ، بخلاف التضمين . فإنه غرامة ، وقد قطع طرفه . فلا نجمع عليه غرامة الطّرف وغرامة المال . قالوا : ولهذا لم يذكر اللّه في عقوبة السارق والمحارب غير إقامة الحد عليهما . ولو كان الضمان لما أتلفوه واجبا لذكره مع الحد . ولما جعل مجموع جزاء المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة « إنما » التي هي عندكم للحصر . فقال : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً [ المائدة : 33 ] - الآية . ومدلول هذا الكلام - عند من يجعل أداة « إنما » - للحصر - أنه لا جزاء لهم غير ذلك . قالوا : وقد روى النسائي في « سننه » عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد : أنه لا غرم عليه » . قالوا : وهذا هو المستقر في فطر الناس ، وعليه عملهم : أنهم يقطعون السرّاق ، ولا يغرمونهم ما أتلفوه من أموال الناس . وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند اللّه حسن . قالوا : ولأنها لو ثبتت في ذمته - بعد القطع - لكان قد ملكها ، إذ لا يجتمع لربها البدل والمبدل . وثبوت بدلها في ذمته يستلزم تقدير ملكها . وهو شبهة في إسقاط القطع . وأصحاب القول الأول يقولون : هذه العين تعلق بها حقان ، حق للّه ، وحق لمالكها . وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين . فلا يبطل أحدهما الآخر بل يستوفيان معا . لأن القطع حق للّه . والضمان حق للمالك . ولهذا لا يسقط القطع بإسقاطه بعد الرفع إلى الإمام . ولو أسقط الضمان سقط . وهذا كما إذا أكره أمة غيره على الزنى لزمه الحدّ لحق اللّه ، والمهر لحق السيد . وكذلك